عادل عبد الرحمن البدري

28

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

لمن لا يطاع « 1 » يجد الباحث هنا مجموعة من الحقائق قدّمها لنا علي ( ع ) مجملها وعامتها : أنّ الأمّة هابطة بقيمها وممارساتها ويومياتها ، وهذا مما انعكس في قراراتها ومساراتها السياسية ، فالدولة هنا تتهافت ولا تستطيع أن تنهض بأهدافها لضعف أفرادها . ويرى علماء الاجتماع المعاصرون نفس هذه الحقائق التي قدَمها علي ( ع ) هنا فالمجتمع يعطي الفرد أسساً معيّنه محددة لتكوين خبرته اليومية والسلوكية . ويجهز المجتمع الفرد بمجموعات محدده من التمثّلات والمحكّات ذات صلة وثيقة بسلوكه ، سبق وحددها له المجتمع ، وغدت متوافرة له لتنظيم حياته اليومية . ويكون هذا التنظيم الذي يتوافق مع آرائنا واعتباراتنا المنفتحة ، أو الجهاز المعياري تراكمياً يتعلّق بسيرة حياة الشخص . فهو يبدأ بالتشكّل في الفرد منذ المراحل البكر للتنشئة الاجتماعية ، ويستمرّ في هذا التشكّل ، ويحافظ الفرد فيما بعد على توسيعه وتعديله طوال سيرة حياته « 2 » وقد قرأ عليّ ( ع ) ذلك في سيرة أهل العراق ، وفهم تأثير هذه البيئة على تشكل الفرد العراقي ، فعكس هذه الحقائق العلمية في النصوص المتقدّمة ، وقد وضع علي ( ع ) الفرد العراقي في صورة اجتماعية مألوفة ومتكررة في كلّ زمان ومكان في قوله ( ع ) لهم ، ولا يعني العراقيين وحدهم : أمّا بعد يا أهل العراق ، فإنّما أنتم كالمرأة الحامل حملت ، فلمّا أتمّت أملصت « 3 » ومات قيّمها ، وطال تأيّمها « 4 » ، وورثها أبعدها . أما والله ما أتيتكم اختياراً ، ولكن جئت إليكم سوقاً ، ولقد بلغني أنّكم تقولون : عليّ يكذب ، قاتلكم الله تعالى . فعلى من أكذب ؟ أعلى الله ! فأنا أوّل من آمن به أم على نبيّه ؟ فأنا أوّل من صدّقه ، كلّا والله ، لكنها لهجة غبتم عنها ، ولم تكونوا من أهلها . ويل امّه « 5 » كيلًا بغير ثمن لو كان له

--> ( 1 ) نهج البلاغة ص 69 خطبة 27 . ( 2 ) الواقع الاجتماعي هارفي فاربرمان وغود ص 163 ترجمة ندرة اليازجي ، وزارة الثقافة دمشق . ( 3 ) أملصت المرأة والناقة ، وهي مملص : رمت ولدها لغير تمام . اللسان ( ملص ) . ( 4 ) الأيّم : المرأة التي لم يكن لها زوج . اللسان ( أيم ) . ( 5 ) الويل : كلمة مثل ويح ، إلّا أنّها كلمة عذاب ، وقد استعملها العرب استعمال : قاتله الله ، في موضع الاستعجاب . اللسان ( ويل ) .